أبي نعيم الأصبهاني

293

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

لا يجور فقال سعيد : ما أعذرنى لكم وأرضاني لما سبق من علم اللّه تعالى في ، فلما فرغوا من البكاء والمجاوبة والكلام فيما بينهم . قال كفيله أسألك باللّه يا سعيد لما زودتنا من دعائك وكلامك ، فانا لن نلقى مثلك ابدا ولا نرى انا نلتقى إلى يوم القيامة . قال : ففعل ذلك سعيد فخلوا سبيله ، فغسل رأسه ومدرعته وكساءه وهم مختفون الليل كله ينادون بالويل واللهف ، فلما انشق عمود الصبح جاءهم سعيد بن جبير فقرع الباب . فقالوا : صاحبكم ورب الكعبة ، فنزلوا اليه وبكوا معه طويلا ، ثم ذهبوا به إلى الحجاج وآخر معه ، فدخلا إلى الحجاج . فقال الحجاج اتيتمونى بسعيد بن جبير . قالوا : نعم ! وعاينا منه العجب فصرف بوجهه عنهم . فقال : أدخلوه على فخرج المتلمس . فقال لسعيد استودعتك اللّه واقرأ عليك السلام . قال : فادخل عليه فقال له : ما اسمك ؟ قال : سعيد بن جبير . قال : أنت الشقي بن كسير . قال : بل كانت أمي أعلم باسمي منك . قال : شقيت أنت وشقيت أمك . قال : الغيب يعلمه غيرك . قال : لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى . قال : لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلها . فقال : فما قولك في محمد ؟ قال : نبي الرحمة امام الهدى عليه الصلاة والسلام . قال . فما قولك في علي في الجنة هو أو في النار ؟ قال لو دخلتها فرأيت أهلها عرفت من فيها . قال : فما قولك في الخلفاء ؟ قال : لست عليهم بوكيل . قال : فأيهم أعجب إليك ؟ قال : أرضاهم لخالقى . قال : فأيهم ارضى للخالق ؟ قال : علم ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم . قال : أبيت أن تصدقني قال : إني لم أحب أن أكذبك . قال : فما بالك لم تضحك ؟ قال : وكيف يضحك مخلوق خلق من الطين والطين تأكله النار . قال : فما بالنا نضحك ؟ قال : لم تستو القلوب . قال : ثم أمر الحجاج باللؤلؤ والزبرجد والياقوت فجمعه بين يدي سعيد بن جبير . فقال له سعيد : ان كنت جمعت هذه لتفتدى به من فزع يوم القيامة فصالح ، وإلا ففزعة واحدة تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ، ولا خير في شيء جمع للدنيا إلا ما طاب وزكا ، ثم دعا الحجاج بالعود والناى ، فلما ضرب بالعود ونفخ في الناى ، بكى سعيد بن جبير . فقال له ما يبكيك ؟